الحاج أمين الحسيني مسيرة رجل ومصير وطن

الحاج أمين الحسيني مسيرة رجل ومصير وطن

من هو الحاج أمين؟

ولد الحاج أمين الحسيني في القدس عام 1895 وهو الابن الثالث لطاهر الحسيني مفتي القدس الذي انتقل إلى رحمته تعالى عام 1908، ورزق طاهر الحسيني من زوجته محبوبة سبع بنات وطفلاً واحداً هو كامل الحسيني، وأصبح كامل مفتياً للقدس بعد وفاة والده. ورزق طاهر من زوجته الثانية زينب طفلين هما فخري وأمين. وقد رضع الحاج أمين من مرضعة عربية اسمها فاطمة القنبر من عائلة العباسي من قرية سلوان قرب القدس.

وتعود الحاج أمين على زيارتها باستمرار، وكان يحترمها مثل والدته ويقبل يديها كما يقبل يدي والديه. وعاش الحاج أمين أيام طفولته مع أبناء أخواته وهم أبناء جيل واحد، ومن أصدقائه في طفولته إسحق درويش، وراغب الإمام ورشدي الإمام.

وكان بيت طاهر الحسيني (والد الحاج أمين) يمتليء بالزوار من الشيوخ وغيرهم، وكان الطفل أمين يصلي معهم باستمرار ويستمع أثناء طفولته إلى الدروس الدينية التي كان يلقيها والده في هذا المجلس على الزوار، وكان في بيت طاهر غرفتان لاستقبال الضيوف غرفة لاستقبال الرجال وأخرى للنساء، وكان الزوار أحياناً يبيتون ليلتهم في تلك الغرفة، وكان أمين يرافق والده دوماً للصلاة في المسجد الأقصى، وكان يصطحب معه أطفالاً من أترابه وتعتبر طفولته في معظمها دينية، فوالده مفتي القدس وزوار والده معظمهم من شيوخ فلسطين، لذلك استطاع حفظ القرآن الكريم وهو في العاشرة من عمره، وتمتع بصيام شهر رمضان صغيراً ثم صلاة العيدين في المسجد الأقصى المبارك.

ومع أن والده كان من أبرز رجال الدين في القدس، إلا أنه عين الشيخ علي الريماوي من قرية بيت ريما قرب رام الله لتعليم أولاده كامل وفخري وأمين العلوم الدينية في البيت، وبالإضافة إلى هذا فقد درس أمين في مدارس خاصة كانت تسمى (الكتاب) وبعد ذلك أكمل دراسته الابتدائية والإعدادية في المدارس الحكومية، كما درس لمدة سنتين اللغة الفرنسية في مدارس الفرير في القدس. وكان مركز أفراد العائلة الحسينية الذين توارثوا الإفتاء أباً عن جد مركزاً دينياً مرموقاً يحترمه سكان القدس خاصة وفلاحو فلسطين عامة، فأصبح بيت مفتي القدس معروفاً لعدة أجيال في القدس وما حولها، ويدعى بدار المفتي، وعندما توفي طاهر الحسيني والد الحاج أمين أصبح ابنه كامل مفتياً للقدس وقد اهتم بتربية أخيه أمين ولاسيما بعد وفاة زينب والدة الحاج أمين خلال الحرب الأولى.

وعندما بلغ الحاج أمين الثانية عشرة من عمره تعلم ركوب الخيل في أراضي العائلة الحسينية في قالونيا وأصبح فارساً، وقرب هذه القرية أقام اليهود مستعمرة تدعى (موتسا) وكان هرتزل قد زرع بها أول شجرة، فقام أمين ورفاقه باجتثاث تلك الشجرة وقد أخذت الصحف الصادرة في فلسطين ذلك الوقت تنبه إلى خطورة ما يخطط له اليهود في فلسطين.

هذا وقد سافر أمين عام 1911 للالتحاق بجامعة الأزهر وكان أخوه كامل قد بعثه إلى الجامعة المذكورة للالتحاق بها بقصد إعداده ليصبح مفتياً للقدس من بعده، وكان يرسل له خمسة جنيهات تركية كمصروف شهري. وفي القاهرة درس أمين في ثلاثة معاهد أكاديمية هي جامعة الأزهر، ودار الدعوة والإرشاد وهي المدرسة التي أنشأها رشيد رضا، وكلية الآداب بجامعة القاهرة. درس في المعهدين الأول 

والثاني دراسة إسلامية على يد رشيد رضا الذي درسه الفلسفة والحركة الإسلامية والتي كان جمال الدين الأفغاني أول من درسها للتوعية بالوحدة الإسلامية وأهمية الوقوف بوجه الغزو الأوروبي.

وكانت قاعات الدرس في الأزهر مقسمة إلى عدة غرف، في كل غرفة يدرس جماعة من بلد واحد، يدرسهم شيخ، فهناك مثلاً رواق الهنود ورواق الشوام والمغرب وغير ذلك. وكان أمين يتنقل بين رواق وآخر للتعرف على المسلمين من مختلف الأمصار، والمتخرج من الأزهر كان يطلق عليه لقب شيخ ولكن الحاج أمين لم يطلق عليه لقب شيخ بل أطلق عليه لقب حاج لأنه أدى فريضة الحج مع والدته عام 1913.

حياة الحاج أمين العسكرية في تركيا

عندما نشبت الحرب العالمية الأولى عام 1914 أخذت الدولة العثمانية تنشط بتجنيد الشباب من بلاد الشام ومختلف الأقطار التابعة لها وكانت إلى جانب ألمانيا ضد الحلفاء. وكان الحاج أمين من المجندين وكان الحاج أمين عسكرياً نشيطاً تنقل في مناطق كثيرة في تركيا أثناء العطل الرسمية، وكان يقوم دوماً بزيارة ابن عمه إبراهيم بك الحسيني وكذلك سعيد الحسيني الذي كان عضواً في البرلمان العثماني، كما قام بزيارة بعض أقاربه وأصدقائه مثل ابن عمه جميل الحسيني، وفيضي العلمي (صديقه من القدس) وكانت حياته صعبة في تركيا لاسيما في البداية بسبب ظروف الحرب، فكان كل شيء مرتفع الثمن في الدولة وكانت بعض الأشياء مفقودة والحاج أمين لم يتعود حياة التقشف والعسر فهو ابن عائلة ميسورة مرفهة كانت وما تزال تقريباً وإن تلاشت سطوة العائلات ونفوذها بحكم تغير الظروف والأحوال.

ووصف الحاج أمين في يومياته ظروف الحياة في تركيا بأنها كانت صعبة جداً عندما كان جندياً، وذكر أنه لم يستطع النوم ليال كثيرة بسبب كثرة القمل والبق في ملابسه وفراشه وأن كثيراً من أنواع المأكولات كانت صعبة المنال، والطقس البارد أثر على حياته وكاد يموت بسبب البرد لعدم توافر الغطاء الكافي، ولكن هذه الحياة تغيرت بعد أن رقي إلى رتبة ضابط (ملازم) بعد عام حيث انتقل بفرقته إلى أزمير وتقابل هناك مع ضباط مثل عبد الحميد الحص ومحمد صوفان وغيرهم. وكان المسؤول عن فرقته ضابط تركي تشاجر معه الحاج أمين لأنه لم يكن يوزع الأكل على الجنود بالعدل، وكان يميز الجنود الأتراك وطالبه الحاج أمين بان يكون عادلاً في التوزيع بين العرب والترك.

لذلك بدأ الجنود العرب ينظرون إليه بتقدير واحترام، ولاسيما عندما كان يصلي في الجنود إماماً، وكان يتقن اللغة التركية كاملها. واتخذ الحاج أمين ثلاثة أصدقاء من العراق كان لهم شأن فيما بعد فقد قاموا بالحركة التي عرفت بثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق إبان النفوذ البريطاني وكان ذلك عام 1941 وهؤلاء هم فهمي سعيد، وصلاح الدين الصباغ ومحمد سلمان.

النشاط السياسي

نستطيع القول بأن النشاط السياسي للحاج أمين الحسيني لم يبدأ بشكل فعلي وحقيقي إلا بعد صدور وعد بلفور 2 نوفمبر1917 وخاصة عندما بدأ اليهود يظهرون عداءهم للعرب.

وقد عاصر الحاج أمين سقوط مدينة القدس بيد الإنجليز في أيلول (سبتمبر) 1917، وقد تم هذا السقوط بعد أن وقع متصرف المدينة التركي عزت باشا على وثيقة التسليم، وطلب من عمدة المدينة حسين بك الحسيني أن يسلم هذه الوثيقة إلى الإنجليز لكي يدخلوا القدس دون أن يدمروا أي معلم بها، وحضر مراسم التسليم أعيان القدس ومنهم، حسين بك سليم الحسيني وتوفيق صالح الحسيني، وجواد اسماعيل الحسيني، ورشدي المهتدي، وأحمد شرف (رئيس الشرطة) وإبراهيم زعنون وحسين العسلي، وعبد القادر العلمي، وحنا اسكندر اللحام الذي كان يحمل العلم الأبيض.

وكان متصرف القدس التركي قد بعث برسالة التسليم قبل سقوط المدينة بيوم واحد إلى الإنجليز وكان نص الوثيقة بالتركية، وترجمتها: ((آمل أن يتصف سلوك الجند البريطاني بالعدل تجاه السكان، وأرسل هذه الوثيقة مع حاكم القدس حسين سليم الحسيني)).

وانضم الحاج أمين وغيره من أبناء فلسطين قبل نهاية الحرب الأولى لمساعدة الأمير فيصل الذي كان يقود جيش الثورة العربية الكبرى. وجمع الحاج أمين كثيراً من المتطوعين من أهالي فلسطين للانضمام إلى جيش الأمير فيصل، فقد جمع ثلاثة آلاف متطوع من القدس والخليل وغيرهما من مدن فلسطين وسافر معهم إلى الأردن للانضمام لجيش فيصل الذي كان في العقبة.

وعند دخول الإنجليز كان الشيخ كامل لحسيني مفتياً للقدس كما كان رئيس البلدية من آل الحسيني أيضاً، وعمل كامل الحسيني على تهدئة الشعب في القدس وتشجيعهم على التفاهم مع المحتل الجديد وهم الإنجليز فمنحوه وسام التاج البريطاني، كما منحوه منصب رئاسة محكمة الاستئناف في القدس وأصبح المفتي كامل قاضياً للقدس ورئيساً للجنة الأوقاف. وقد لقبه الإنجليز (بالمفتي الأكبر) لإشرافه على هذه الوظائف كلها، وهذا اللقب أوجده الإنجليز ولم يكن معروفاً من قبل. وبينما كانت علاقة الحاج أمين

سيئة بالإنجليز كانت علاقة شقيقه جيدة مع حاكم القدس الإنجليزي الجنرال رونالد ستورز، وقد استمرت هذه العلاقة الجيدة بين ستورز والعائلة الحسينية حتى وفاة الشيخ كامل الحسيني. وقد صرح ستورز يوماً بأنه لا يعرف أحداً في فلسطين إلا المفتي كامل وبعض العائلة الحسينية، وقال إن كامل لم يكن يصدر أمراً من دون الرجوع إلى الحاكم ستورز.

وقدم العرب في القدس مسلمون ومسيحيون وثيقة إلى ستورز وقعها أكثر من مئة شخص من ست منظمات عربية، وكانت هذه الوثيقة احتجاجاً على عزم اليهود إقامة احتفالات بمناسبة مرور عام واحد على صدور وعد بلفور.

ولكن ستورز أقام حفل استقبال للمنظمة الصهيونية في 20نيسان 1918 كان يحضره الشيخ كامل الذي انسحب من الحفل احتجاجاً على كلمات القادة الصهاينة والتي ركزت على أن مستقبل فلسطين سيكون مبنياً على وعد بلفور.

أما الحاج أمين فقد عينه الإنجليز كاتباً في مكتب جبريل حداد الذي كان يعمل مسؤولاً عن الشؤون العربية لدى الحاكم العسكري رونالد ستورز، ثم نُقل للعمل في مكتب الجمارك في قلقيلية. ولكن الحاج أمين بحث عن عمل آخر يناسبه فحصل على وظيفة مدرس في المدرسة الرشيدية بالقدس. ثم درس في مدرسة روضة المعارف والتي كانت بؤرة حركة النشاط الوطني الفلسطيني مع مدرسة النجاح في نابلس والتي تأسست عام 1918.

وأنشأ الحاج أمين النادي العربي وذلك بمساعدة أصدقائه وأقاربه مثل أخيه فخري وإسحاق درويش ابن أخته وعبد اللطيف ابن عمه، وشكري يوسف ياسين والشيخ حسن أبو السعود ومحمد العفيفي، وإبراهيم سعيد الحسيني، وأهداف هذا النادي تطابق أهداف النادي العربي في دمشق، وأهمها الاستقلال والوحدة العربية. كذلك تشكل في فلسطين نواد وجمعيات أخرى مثل المنتدى الأدبي والجمعية الإسلامية المسيحية، وكان هدفها كلها هو الجهاد حتى يتم استقلال سوريا الكبرى والدفاع عن الوطن بمنع الهجرة الصهيونية ومنعها من تحقيق أهدافها، وترأس الحاج أمين النادي العربي، في حين ترأس المنتدى الأدبي حسن صدقي الدجاني، ويوسف الخطيب.

وكان هناك مجموعتان لعبتا دوراً سياسياً عربياً وإسلامياً في فترة الحكم الإنجليزي على فلسطين، مجموعة الشباب التابعة للحاج أمين وتضم أصدقاءه من النادي العربي مثل سعد الدين عبد اللطيف وكامل البديري وجميل الشهابي وغيرهم، والمجموعة الثانية هي الجمعية الإسلامية المسيحية وتضم مجموعات مختلفة.

وكان هدف مجموعة الحاج أمين أن تكون سوريا مستقلة، وأن تكون فلسطين من ضمن هذه الدولة المستقلة إضافة لهدف وقف الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، وأما المجموعة الثانية وهي الجمعية الإسلامية المسيحية فكان هدف بعض الأعضاء استقلال فلسطين وأن لا تكون متحدة مع سوريا.

وصمم الحاج أمين على تشجيع الشعب العربي الفلسطيني للمناداة بوحدة سوريا الكبرى، ففي 12/4/1919 تجول الحاج أمين وإسحاق درويش في نابلس والقدس داعين أعيان البلاد للاجتماع لعقد مؤتمر فلسطيني لبحث آخر التطورات في فلسطين، ولاتخاذ قرار بوحدة سوريا الكبرى (فلسطين جزء منها) وفي الاجتماع الذي عقد في منزل إسماعيل الحسيني وافق الجميع على وحدة سوريا الكبرى.

Alilou

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *